الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
250
مناهل العرفان في علوم القرآن
الصحابة وذوى البصر منهم ، وأجال الرأي بينه وبينهم في علاج هذه الفتنة ، ووضع حدّ لذلك الاختلاف ، وحسم مادة هذا النزاع . فأجمعوا أمرهم على استنساخ مصاحف يرسل منها إلى الأمصار ، وأن يؤمر الناس بإحراق كل ما عداها ، وألّا يعتمدوا سواها . وبذلك يرأب الصدع ، ويجبر الكسر ، وتعتبر تلك المصاحف العثمانية الرسمية نورهم الهادي في ظلام هذا الاختلاف ، ومصباحهم الكشاف في ليل تلك الفتنة ، وحكمهم العدل في ذاك النزاع والمراء ، وشفاءهم الناجع من مصيبة ذلك الداء . تنفيذ عثمان لقرار الجمع . وشرع عثمان في تنفيذ هذا القرار الحكيم ، حول أواخر سنة أربع وعشرين وأوائل سنة خمس وعشرين من الهجرة ، فعهد في نسخ المصاحف إلى أربعة من خيرة الصحابة وثقات الحفاظ ، وهم زيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام . وهؤلاء الثلاثة الأخيرون من قريش . وأرسل عثمان إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر ، فبعثت إليه بالصحف التي عندها ، وهي الصحف التي جمع القرآن فيها على عهد أبى بكر رضى اللّه عنه . وأخذت لجنة الأربعة هؤلاء في نسخها ، وجاء في بعض الروايات أن الذين ندبوا لنسخ المصاحف كانوا اثنى عشر رجلا . وما كانوا يكتبون شيئا إلا بعد أن يعرض على الصحابة ، ويقرّوا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ على هذا النحو الذي نجده الآن في المصاحف . دستور عثمان في كتابة المصاحف : ومما تواضع عليه هؤلاء الصحابة أنهم كانوا لا يكتبون في هذه المصاحف إلا ما تحققوا أنه قرآن ، وعلموا أنه قد استقرّ في العرضة الأخيرة ، وما أيقنوا صحته عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مما لم ينسخ . وتركوا ما سوى ذلك نحو قراءة « فامضوا إلى ذكر اللّه » بدل كلمة « فاسعوا » ونحو « وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة غصبا »